القرطبي

126

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

لتؤمنن به لما آتيتكم من ذكر التوراة . وقيل : في الكلام حذف ، والمعنى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتعلمن الناس لما جاءكم من كتاب وحكمة ، ولتأخذن على الناس أن يؤمنوا . ودل على هذا الحذف " وأخذتم على ذلكم إصري " . وقيل : إن اللام في قوله " لما " في قراءة من كسرها بمعنى بعد ، يعني بعد ما آتيتكم من كتاب وحكمة ، كما قال النابغة : توهمت آيات لها فعرفتها * لستة أعوام وذا العام سابع أي بعد ستة أعوام . وقرأ سعيد بن خبير " لما " بالتشديد ، ومعناه حين آتيتكم . واحتمل أن يكون أصلها التخفيف فزيدت " من " على مذهب من يرى زيادتها في الواجب فصارت لمن ما ، وقلبت النون ميما للادغام فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الأولى منهن استخفافا . وقرأ أهل المدينة " آتيناكم " على التعظيم . والباقون " آتيتكم " على لفظ الواحد . ثم كل الأنبياء لم يؤتوا الكتاب وإنما أوتي البعض ، ولكن الغلبة للذين أوتوا الكتاب . والمراد أخذ ميثاق جميع الأنبياء فمن لم يؤت الكتاب فهو في حكم من أوتي الكتاب لأنه أوتي الحكم والنبوة . وأيضا من لم يؤت الكتاب أمر بأن يأخذ بكتاب من قبله فدخل تحت صفة من أوتي الكتاب . قوله تعالى : ( أأقررتم وأخذتم على ذلك إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ) " أقررتم " من الاقرار ، والإصر والإصر لغتان ، وهو العهد . والإصر في اللغة الثقل ، فسمي العهد إصرا لأنه منع وتشديد . ( قال فاشهدوا ) أي اعلموا ، عن ابن عباس . الزجاج : بينوا لان الشاهد هو الذي يصحح دعوى المدعى . وقيل : المعنى اشهدوا أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم . ( وأنا معكم من الشاهدين ) عليكم وعليهم . وقال سعيد بن المسيب : قال الله عز وجل للملائكة فاشهدوا عليهم ، فتكون كناية عن غير مذكور . قوله تعالى : فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ( 82 ) " من " شرط . فمن تولى من أمم الأنبياء عن الايمان بعد أخذ الميثاق ( فأولئك هم الفاسقون ) أي الخارجون عن الايمان . والفاسق الخارج . وقد تقدم ( 1 ) .

--> ( 1 ) راجع 1 ص 244 .